عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

277

اللباب في علوم الكتاب

وقال ابن عباس وسعيد بن جبير : إن مالك بن الصيف كان من أحبار اليهود ورؤسائهم وكان رجلا سمينا فدخل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال له رسول صلى اللّه عليه وسلم : « أنشدك بالّذي أنزل التّوراة على موسى هل تجد في التّوراة أن اللّه يبغض الحبر السّمين ، وأنت الحبر السّمين وقد سمنت من الأشياء الّتي تطعمك اليهود » فضحك القوم فغضب [ مالك ] « 1 » بن الصيف ثم التفت إلى عمر ، فقال : « ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ » فقال له قومه : ويلك ؟ ما هذا الذي بلغنا عنك ، [ أليس ] « 2 » أن اللّه أنزل التوراة على موسى ، فلم قلت : ما أنزل اللّه على بشر من شيء ؟ فقال مالك بن الصيف : إنه أغضبني ، فقلت ذلك فقالوا له : وأنت إن غضبت تقول على اللّه غير الحق ، فنزعوه عن رياستهم ؛ وجعلوا مكانة كعب بن الأشرف « 3 » . وقال السّدّيّ : نزلت في فنحاص بن عازوراء « 4 » وهو قائل هذه المقالة . قال ابن عباس : قالت اليهود : يا محمد أنزل اللّه عليك كتابا ؟ قال : « نعم » . قالوا : واللّه ما أنزل من السماء كتابا ، فأنزل اللّه تبارك وتعالى « ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ » « 5 » ؛ إذ قالوا : « ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ » ، وفي سبب النزول سؤالات : السؤال الأول : لفظ الآية وإن كان مطلقا إلّا أنه يتقيّد بحسب العرف ألا ترى أن المرأة إذا أرادت أن تخرج [ من الدار ] « 6 » فغضب الزّوج ، فقال : إن خرجت من الدار فأنت طالق ، فإن كثيرا من الفقهاء قالوا : اللفظ وإن كان مطلقا إلا أنه بحسب العرف يتقيّد بتلك المرأة ، فكذا هاهنا فقوله : « ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ » وإن كان مطلقا بحسب أصل اللغة إلّا أنه يتقيد بتلك الواقعة بحسب العرف ، فكان لقوله تعالى : ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ في أنه يبغض الحبر السمين ، وإذا كان هذا المطلق محمولا على هذا المقيّد لم يكن قوله : مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً مبطلا لكلامه . السؤال الثاني : أن مالك بن الصيف كان مفتخرا بكونه يهوديّا متظاهرا بذلك ، ومع هذا المذهب لا يمكنه أن يقول : ما أنزل اللّه على بشر من شيء إلا على سبيل الغضب المدهش للعقل ، أو على سبيل طغيان اللسان ، ومثل هذا الكلام لا يليق باللّه - تبارك

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 262 ) عن سعيد بن جبير وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 54 ) عن سعيد وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم . وذكره الرازي في تفسيره ( 13 / 61 ) عن ابن عباس . ( 4 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 263 ) عن السدي وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 53 - 54 ) وعزاه لابن أبي حاتم وأبي الشيخ عنه ولم ينسبه للطبري . ( 5 ) أخرجه الطبري ( 5 / 263 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 53 ) وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس . ( 6 ) سقط في أ .